حيدر حب الله
58
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
معارض « 1 » ، أو ما قاله الأمين الأسترآبادي ( 1036 ه ) من أنّ خبر الثقة المأمون موجب للقطع واليقين « 2 » ، فإذا كان المحقق الحلّي ، وهو في القرن السابع الهجري ، أو كان الأسترآبادي وهو يعيش في القرن الحادي عشر الهجري ، يتسنّى لهما اليقين برواية واحدة لا معارض لها ، فلما ذا الاستغراب من الأمر نفسه لعلماء عصر الحضور وهم يعيشون تضاؤل طول الأسانيد وقلّة الاختلافات و . . . . كما يدفعه أيضا ، اليقين الذي حصل للأخباريين الآخرين من النصوص ، وهم يعيشون في القرون الهجرية الأربعة الأخيرة . وأمّا ظاهرة التعارض ، فهناك العديد من المنافذ التي تجعل فرضية اليقين عادية جدا معها ، لا أقلّ من محاولات الأخباريين ، مثل صاحب الحدائق وغيره « 3 » كما سيأتي لاحقا من أنّ التعارض لا يعني التشكيك في الصدور ما دام أهل البيت عليهم السّلام أنفسهم قد ذكروا الروايات المتعارضة عمدا لمعنى من معاني التقيّة « 4 » ، إنّ مثل هذه التفاسير - حتى لو لم نؤمن بها نحن مثلا - بإمكانها أن تجعل احتمال فرضية اليقين غير مستبعدة ، كما يحاول أنصار نظرية خبر الواحد الإيحاء به . أضف إلى ذلك تجربة الشيخ أبي جعفر الطوسي ( 460 ه ) في كتابه « الاستبصار » ، فقد كان الطوسي مقتنعا بعدم وجود تعارض بين ما يقرب من خمسة آلاف رواية احتواها كتاب الاستبصار ، ورغم أنّ المناهج التي أعملها الطوسي في هذا الكتاب لم تقنع الكثير من العلماء فيما بعد كما سنلاحظ في الفصل الخامس بإذن اللّه ، إلا أنّ تنشيطه لمثل هذه المناهج ، يدلّ في المحصّلة النهائية على تقليصه ظاهرة التعارض في النصوص إلى حدّ بليغ ، مما يعني أنّ من الممكن أن تكون ظاهرة التعارض هذه غير متصوّرة آنذاك بالحجم الذي يتصوّره بعضهم اليوم ، وما قلناه سابقا من ظاهرة التعارض المحيّرة بوصفها دليلا على ظاهرة الاجتهاد عصر الحضور لا ينافي كلامنا هنا ، لأنّ ما نهدفه هناك أصل وجود هذه الظاهرة ، وما نريد مناقشته هنا سعتها وهيمنتها المفضية إلى عدم إمكان الاعتماد - لدى التيار الغالب على الساحة الشيعية - على نصوص نظريّة اليقين لتكوين رؤى دينية في الكلام والشريعة على السواء . وأمّا الحديث عن نصوص يفهم منها أنّ مسألة الأخذ بروايات الثقات كان أمرا مفروغا منه ، بحيث أبدى الرواة تساؤلا حول بعض التفاصيل المنبنية عليه ، وليس لذلك
--> ( 1 ) - المحقق الحلّي ، المعتبر 1 : 30 . ( 2 ) - الأسترآبادي ، الحاشية على التهذيب ، الورقة رقم : 99 . ( 3 ) - يوسف البحراني ، الحدائق الناضرة 1 : 4 - 14 . ( 4 ) - لمزيد من الاطلاع راجع : البروجردي ، نهاية الأصول : 509 .